بقلم الدكتورة مريم احمد ابو زيد 

غداً يوم ميلادي، وهذه أول مرة أكتب بيوم ميلادي، لأتحدث عن العمر الذي سرقته الحياة منا لتعطينا التجربة.
اليوم، ولأول مرة، أمسك القلم وأنا أنظر إلى التاريخ الميلادي: 12 يوليو 2026. رقم غريب، بارد ربما في بدايته، لكنه يحمل في طياته ثقلاً مختلفاً.

لا أريد أن أتحدث هنا عن "العمر" بالمفهوم الحسابي. لا أريد أن أعدّ السنوات التي مرت ولا أريد أن أستعرض قائمة الإنجازات أو الخسائر المادية. فالحديث عن العمر غالباً ما يقودنا إلى فخ المقارنة: كم بقي؟ وكم مضى؟ وهل أنا حيث يجب أن أكون؟

بدلاً من ذلك، أريد أن أتحدث عن شيء آخر، شيء أكثر دهاءً وأعمق أثراً: التجربة

يقولون إن الحياة تسرق منا بعض الأحلام التي كنا نؤمن بإمكانية تحقيقها بين ليلة وضحاها. لكنها، في المقابل، لم تترك أيدينا فارغة. لقد دفعت ثمناً باهظاً مقابل ما أعطتنا إياه: الحكمة الناتجة عن الكسر. فعندما كنت أصغر، كنت أعتقد أن القوة تكمن في الصراخ وفي فرض الرأي. أما اليوم، وبعد أن مررت بتلك السنوات التي "سُرقت"، أدركت أن القوة الحقيقية تكمن في الصمت الاختياري، وفي القدرة على الاحتواء بدلاً من الانفجار.

في هذا اليوم، لا أشعر بالحزن على ما فات. فالماضي معلم قاسٍ علّمنا كيف نقرأ الحاضر. علمنا أن الناس يتغيرون، وأن الوعود تتبخر مثل الندى تحت شمس الظهيرة، وأن الاعتماد الوحيد الحقيقي هو على ذلك الجوهر الثابت داخلنا والذي صقلته الأيام.

ربما يكون الفرق الجوهري بين "العمر المسروق" و"التجربة المكتسبة" هو زاوية النظر.. قد نكون فقدنا سنوات من البراءة، لكننا ربحنا سنوات من الوعي..

اليوم، وأنا أكتب بهذا التاريخ، لا أرى فيه مجرد يوم عادي في التقويم. أراه علامة فارقة في رحلتي الشخصية. إنه تذكير بأننا لسنا مجرد أرقام تتزايد كل عام، بل نحن قصص متشابكة، وجروح التئمت لتصبح ندوباً جميلة، وأفكار نضجت بعد أن كانت بذوراً خاماً.

الحياة تسرق منا العمر .. وَ تعطينا التجربة .. وَ التجربة تأخذ منا الجهد .. وَ تترك لنا الحكمة.. كل لحظة عشناها، بكل ألمها وفرحها، كانت لبنة في بناء الشخص الذي اقف عليه اليوم. لقد أخذت منا الحياة شيئاً، نعم، لكنها أعطتنا أنفسنا الحقيقية، نسخةً أكثر وعياً، أكثر تواضعاً، وأكثر قدرة على الحب العميق غير المشروط.

فاليوم اكتب بميلادي إذن ليس بزيادة العدد، بل باتساع الأفق. ولنشكر تلك السنوات التي "سُرقت"، لأنها في الحقيقة كانت الثمن.. 
فـ تذكروا من مدوا أيديهم لكم في لحظات الإنكسار .. 
وتذكروا ايضا من اطلقوا سهامهم فَـ ارتدت إلى صدورهم.. 

اللهم السلام لروحي أولاً ، وأثراً لطيفاً فِي مخيلة كل من قد عرفني ثانياً ، اللهم عاماً مليئاً بِكل ما أتمنى .. اللهم إنّي استودعك ماتبقى لي من ايام خيراً ، فـ أغفِر لي ما مضَى ، ووفقني فيها، وبارك لي فيما هُوَ آتٍ ! 
أهدي لروحي في كل ثانية عبارات شكر لتجاوزي عقبات الحياة بإصرار وعزيمة..

كن لطيفا يا  شهر يوليو ، ففيك إلتقطت أول أنفاسي ..       
12\07\2026

إرسال تعليق

 
Top