بقلم الدكتورة مريم احمد ابوزيد 

كيف لشيء لطيف كالحياء أن يكون سيفاً؟ وكيف لما يُؤخذ به ألا يُعدّ إكراهاً؟ في هذا الجمع بين الرقة والحزم، وبين الطوعية والضبط، تكمن عبارة بلاغية تحمل في طياتها مفارقة ذكية: فالعبارة ليست مجرد صياغة أدبية، بل نافذة على فهم دقيق لحدود الإرادة، وأخلاقيات التأثير، والضغوط الناعمة التي تُحرك الإنسان دون أن تُكسر إرادته.. حكمة عربية عميقة " ما أخذ بسيف الحياء إكراه " تكشف عن طبيعة النفس البشرية وتفاعلها مع المحيط الاجتماعي. 

فالحياء فضيلة لا عجز ولم يكن الحياء قط في ثقافتنا مرادفاً للخجل السلبي أو العجز عن المواجهة، بل كان ركنًا من أركان الكمال الإنساني. إنه قوة داخلية تنبع من وعي الذات بمكانته أمام الله وأمام الناس، لا من رهبة خارجية أو تهديد مادي. لذا، كان الحياء دائماً في التراث درعاً يقي، لا قيداً يقهر.

واستعارة كلمة السيف لان سيف الحياء: نجاعة بلا عنف، تفيد الحدة فالسيف يُحدّ ولا يُكسر، ويقطع بلا ضجيج. كذلك الحياء: يجعل الإنسان يختار الطاعة أو التنازل أو الصمت، ليس خوفاً من عقاب، بل حياءً من خرق الأدب، أو إلحاق الحرج بالآخر. نراه في تلبية طلب صديق حياءً من ردّه، وفي الاعتذار عن حق حياءً من المواجهة، وفي الصمت عن نقد حياءً من الجهر. هنا، الإرادة حاضرة، لكنها مُلطّفة، ومُوجّهة، وليست مُلغاة.

و حكمة هذا السيف تكمن في من يحمله، وكيف يستخدمه. فحين يكون الحياء وعياً أخلاقياً طوعياً، فهو نعمة تصون الكرامة وتُعلي من الأدب. وحين يتحول إلى أداة ضغط اجتماعي أو ستار للإكراه المعنوي، فهو نقمة تُضعف الإرادة وتُشوّب الحق. وبين الطرفين، يبقى الإنسان مطالباً بأن يوازن بين أدبه وحقه، بين حيائه وحريته. بين الإكراه والضغط الناعم حيث يكمن الفرق نؤكد على أهمية التعبير عن الإرادة دون خجل غير مبرر و تنقية الحياء من الشوائب الاجتماعية، وإعادته إلى جوهره الأخلاقي: وعي ذاتي يحترم الحدود، ولا يلغيها.

إرسال تعليق

 
Top